29 يناير 2012

من فرط النشوة

ليست هنالك مساءات مماثلة..
أحذية سوداء لامعة ترتفع عن الأرض.. بناطيل سوداء بشريطة لامعة أيضًا..
من زاويتي في الصف الأول أتابع الكاريزما خاصته.. كيف لم تختبرني تلك المتعة من قبل!؟
أنا قُبلة.. تقفز من مركز عصي كماناتهم إلى عصى المايسترو وتستقر على جبينه..
أنا عصفورة تنط فوق أصابع عازف القانون وتطير فوق رأسه..
أنا خُف يدق مُنفردًا على الطبل وينتشي..
أنا وحيدة في هذا العالم.. العالم مسرح.. أقف في منتصفه مرتدية فستانًا أسود.. أتخفف من كل الأشياء الثقيلة.. أفرد شعري وجزعي وذراعي إلى الوراء.. جسدي يمتص الموسيقى..
روحي تمتص الموسيقى..
وأدور.. أدور كما لم أدر من قبل.. أقفز كما لم أقفز من قبل.. أرقص كما لم أرقص من قبل..
أعطش..
لا أتنفس..
وأبكي من فرط النشوة..
وأحلق.. كما لم أُحلق من قبل..
أنا لازلت هناك...
********************
النتيجة الطبيعية بعد حضوري حفل عمر خيرت بصحبة المايسترو نادر عباسي
إشي خيال يا ناس :)

21 يناير 2012

فكرة

اليوم اكتشفت أن الفاصوليا الخضراء أكلة لذيذة.. أكلتها وشربت قهوتي التي لم تكن جيدة تمامًا ثم تمددت على الأريكة أشاهد فيلم
"stranger than fiction”
الذي يتحدث عن رجل يكتشف أن مصير حياته مرتبط برواية أدبية لم تكتمل بعد لكاتبة مشهورة بقتل أبطال أعمالها.. البطل يعرف أنه سيموت قريبًا فيفكر في الأشياء التي يريد أن يختبرها قبل موته.. يشتري جيتار.. يعزف عليه ويغني بعشوائية ولكن بانتشاء..
لا أعتقد أنني أريد أن أحكي نهاية أو تفاصيل الفيلم الآن، لعدة أسباب منها أنه يستحق المشاهدة فعلاً، والأهم أن مشاهدتي له اليوم ليست السبب الحقيقي في كتابتي هذا البوست.. ولا حتى قرائتي لـ "خلوة الغلبان".. الكتاب الذي كنت أؤجل قراءته كل يوم منذ علمت بوفاة أصلان
لأنني كلما نظرت إلى الغلاف الذي يحمل صورته أجدني أبكي رغمًا عني وأتذكر أنه مات..
اليوم وأنا أشاهد "عماد" وهو يبدل حفاضة "مالك" انتابني شعور غريب بأنني أتقبل موتي غدًا.. شعور مريح ربما ليس له مبرر.. لحظة صغيرة أضاءت في عقلي تلك الفكرة ولم تخبو حتى هذه الساعة.
"عماد" شخص متعاون بطبيعته خاصة عندما أمرض.. عندما أفكر في إمكانية حياته بدوني أشعر برغبة في البكاء.. ربما تكون أنانية مني ولكنني –ولأول مرة أصارح نفسي بهذا- لا أريده فعلاً أن يتزوج بعدي.. لا تسيئوا فهمي.. أريده سعيدًا.. لكني أريده أن يجد السعادة في أي شيء آخر بعيدًا عن امرأة أخرى.. أكتب هذا الكلام بشكل مريح الآن لأني أعلم أنه لن يقرأه أبدًا..
ما علينا من هذا..
كنت أفكر أنه إذا علمتُ فعلاً بميعاد موتي ماذا كنت سأفعل كي أختصر السعادة في أقل وقت ممكن؟ ولا أعلم لماذا تخيلت هيئة كوميدية لملك الموت كسائق ميكروباص يمر بي فيسألني: "جاي ولا الدور الجاي؟".. فأحرك ذراعي أن "الدور الجاي".. ووجدتني أفكر في أشياء بعيدة.. منها مثلاً أن أتعلم اللغة الفرنسية والاسبانية، أن أزور إيطاليا وفرنسا وأن أقابل "ميلان كونديرا" وآخذ صورة تذكارية معه، أن أمثل على المسرح ولو دور واحد في حياتي، أن أغني وينبهر الناس بصوتي –وهذا طبعًا احتمال بعيد-، أن أتعلم العوم الغير كلابي وأن أركب دراجة بدون سنادات.. والأهم من كل هذا أن يمنحني الوقت فرصة حرق مسوداتي -بذور قصصي ونصوصي-..
أتذكر الآن فيلم
“city of angels”
أحب هذا الفيلم كثيرًا لكني لم أصدق أبدًا المشهد الأخير الذي يسأل فيه الملاك الأسمر "نيكولاس كيدج" إذا كان يعلم بأمر موت حبيبته "ماج راين" هل كان سيضحي أيضًا بأن يصبح بشرًا؟ فيجيبه الأخير أنه كان على استعداد للتضحية بكل شيء مقابل لمسة واحدة منها!
أعتقد أنه لو كان يعلم فعلاً لفكّر ألف مرة قبل أن يضحي بخلوده.. لا أنا لا أعتقد.. أنا مقتنعة تمامًا بهذا..
أود أن أموت في الشتاء وأنا أرتدي روبي الثقيل، أتمدد على أريكة مريحة وأقرأ كتاب أقرأه لأني أحبه لا كي أتعلم.. وأن يتذكر أصحابي وصيتي فيدفنونني قرب البحر..
أجدني أكتب الآن عن الموت.. وأشعر براحة كبيرة...

17 يناير 2012

كادر خشب

لو حسيت الصورة زحمة.. ولقيت إن مش كل الناس تستاهل تكون في الكادر.. افتكر إن العدسة بتاعتك إنت.. إنت بس اللي تقدر تتحكم في النقطة اللي تنور على وش كل واحد.. وإنت بس اللي تقدر تلعب في الخلفية..
وتقدر كمان تحبس اللي انت عايزه في كادر خشب ميطلعش منه..
احبس عيلة أليطة كل واحد فيها فاكر إن فلاش الكاميرا هينورله لوحده..
احبس بنت عايقة ومضايقة إن لسه فيه ولد في البلكونة اللي قصادها مبصلهاش..
احبس شاب سايب حبيبته ومسافر يدور على لقمة أطرى م اللي بياكلها.. قولو العيب مش في اللقمة.. العيب في اللي بيستطعمها.. واوعى تصور حد تاني بخلفية بيضا..
احبس راجل عجوز مش عارف إن دي آخر سيجارة هيشربها..
واحبس أي حد مش لايق ع الصورة بتاعتك..
عايز تصور كادر واسع؟
صور ولد في عنيه شقاوة.. وغلاوة في عيون أم بتشاورله يضحك من بعيد..
صور صبية جميلة هتبعت الصورة لحبيبها يتونس بيها في أول 45 يوم في الجيش.. بس متنساش الخصلة السودا على عنيها وضفيرتها تبان كلها في الكادر..
صور عروسين هيحطو الصورة على أكبر حيطة في الصالون.. يمكن الكادر في يوم يفكرهم إن الضحكة كانت ماليه وشوشهم.. ومتنساش تخلي بوكيه الورد يضحك زي صحابه..
صور كل وش بيضحك.. أو مبيضحكش غير قدام العدسة بتاعتك..
طب ما تصور نفسك! *******************************
*النص ضمن مشروع دون لصورة الذي دعا له الأصدقاء على فيس بوك
*لينك الإيفنت على فيس بوك http://www.facebook.com/events/174420579324944/

12 يناير 2012

honey mustard sauce

الآن.. وأنا أكتب هذا الكلام بالذات.. أحب أن يرتديني الروب البيج ذي "الكابيشوه" الذي يحمل أذني قطة.. وأن أسمع
“moon light sonata”
وأتخيل شابة في منتصف العشرينات.. تمسك بمظلتها الحمراء وتقف في منتصف الشارع الغارق في الوحل.. الوحل النظيف الخالي من روث الحيوانات وأعقاب السجائر وعلب المشروبات الغازية الفارغة. المطر يهطل فوق مظلتها فقط.. ويترك الشاب الأنيق الواقف عند عمود الإنارة.. تستجديه أن يأتي فيعطيها ظهره ويدخن..
تلك الشابة في هذه اللحظة بالذات لم يكن لها ظل.. ظلها كان يقف أمام المرآة الطويلة يفكر في أن دق الوشم الصغير على شكل سرطان في يسار ساقها قرب القدم، سيكون مغريًا كما تحتاج تمامًا..
ذلك الظل يحاول أن يفاجئ الظل الآخر.. الظل المدخن، فيحاول أن يكتشف أفضل الطرق لصنع "صوص" الخردل بالعسل.. يُحضر الصحن الزجاجي العميق، يضع ملعقة خردل كبيرة، ملعقة مايونيز كبيرة، ملعقة عسل صغيرة وقطرتي ليمون.. قطرتين بالضبط لا أكثر ولا أقل.
الظل الهارب من صاحبته يقدم الطبق للظل المدخن على مائدة الغداء.. الظل المدخن يقول أنه لا يحب المايونيز ويطلب "ساندويتش أي حاجة" فيأكل نصفه وينام..
الظل الهارب من صاحبته يذهب إلى متجر يبيع المخدات الصغيرة، يشتري واحدة مشغولة بـ "السيرما".. تملؤها أفيال بنظرات مدهوشة.. الظل المدخن يضع المخدة تحت قدمه وينام..
الظل الهارب من صاحبته فجأة يتلاشى.. يتوحد مع الأرض.. الأرض جميلة ونظيفة وحنونة.. تحتضن الظل وتحيط قدمه اليسرى بخلخال فضة.. الأرض جميلة.. وتحب الأقدام الجميلة. أما الساق التي تلاشت منذ قليل مع الأرض.. كانت قد استبدلت فكرة الوشم بـ "التاتو".. ففي كل أحوال الظل المدخن لم يكن ليلاحظ الاثنين..
بعد أيام.. الناس الطيبون.. الطيبون فقط، وهم يفتحون أبواب محلاتهم في الصباح، سيجدون مظلة حمراء تقبل وجه الأرض...

10 يناير 2012

عن "رجوع الشيخ".. وكيفية صنع الضجة

يخلص دفترك فتنتهي حكايتك..
ولكن من قال أن كل الحكايات يمكن اجترارها اجترار الخيط من بكرته!
بعض الحكايات كالصور المشتتة، مثل تلك التي كان يرسمها "عبد الحليم" الإبن المتوحد للشيخ أحمد رجائي –أحد الرواة الافتراضيين للرواية- في أرضية الصالون.. "خرج أحمد من الغرفة يومها ومعه ملامح وجهه كلها، موزعة على عشرات صفحات الرسم"..
يقول الراوي الافتراضي: "ربما كان خطأ أحمد أنه رغب دائمًا وأبدًا أن يرى الكل المحيط الشامل. لكن الجيل التالي لحسن الحظ تجاوز هذا العيب الخطير، ولم يعد ينتبه إلا للتفاصيل الصغيرة، المنفصلة تمامًا عن كل ما يضمها ويحنو عليها".
ضمن هذه النظرية استهل "محمد عبد النبي" بأحد سطور "إيتالو كالفينو": فليس ثمة مكان أفضل لحفظ السر من رواية غير مكتملة.. واتكأ عليها لصنع شخصيتين يحملان نفس الاسم لكنهما مختلفتين تمامًا.. أحدهما عجوز يود اختصار حياته في دفترين اشتراهما من المتجر الصيني وجلس في البار على أمل أن يخط حكايته التي يحول دون اكتمالها شيئًا ما، أو ربما بعض حكايات ظله الوديع الذي يتحدث إليه من آن لآخر تحت تأثير الحشيش.. تلك الحكايات التي ينافسه في كتابتها الشخصية الثانية الشاب "أحمد رجائي" الذي ظهر في حياته ليكتب الحكاية بشكل آخر.. ربما ليمتلك زمام سرد الرواية وربما ليضع بيده نهاية الراوي الأصلي.. ولكن هل تحدد الروايات مصائر أبطالها أم كتابها.. أم الاثنين معًا؟؟
محمد عبد النبي روائي شاب يؤمن بسطوة الحكاية، صدرت له عدة مجموعات قصصية منها: "وردة للخونة" عن هيئة قصور الثقافة، "بعد أن يخرج الأمير للصيد" عن دار ميريت، ومجموعة قصصية بعنوان "شبح انطون تشيكوف" عن دار فكرة والحاصلة على المركز الأول في جائزة ساويرس فرع القصة القصيرة فئة الشباب لعام 2010.. وهذه هي روايته الأولى "رجوع الشيخ" الصادرة عن دار "روافد" للنشر..
قد يراها البعض النسخة الأكثر أصالة من "وراق الحب" لخليل صويلح الذي استخدم فيها هذا الشكل السردي الجديد لأول مرة، بينما قد يراها آخرون استعارة لأيدلوجيات "كونديرا" في السرد والتي تعتمد في أساسها على كسر سياق الأحداث والشخصية المركزية للرواية مما يجعل اقتباسها وتتبعها كوقائع متسلسلة يمكن روايتها متعذرًا على الكثيرين.. فنجد أن محمد عبد النبي اعتمد على خلق بناء سردي متوتر للرواية يناسب أصحاب الذائقة التي تميل إلى التجريب، تحت ظل قفزات سلسة ومحسوبة ما بين مقتبس وآخر، مبتعدًا كل البعد عن الافتعال الذي تتسم به معظم هذه الروايات التي تعتمد على فكرة الكتابة عن الكتابة.
هي رواية لا تعتمد على الحدث أو الحبكة وليس لها بطل واضح.. اللعب باللغة والتحولات السلسة بها جعلني أصفها باللغة النشيطة، والقفز بها بين أجزاء الرواية منحتها سلاسة وتلقائية.. فهي لا ترسم التفاصيل الدرامية للشخصيات بقدر اعتمادها على التفاصيل النفسية المعقدة منها والبسيطة.. ولكن ربما لا تستطيع أن تتعلق بأبطالها لأن الشخصيات هنا أقرب إلى أطياف وهمية مما يحول دون الإمساك بسيرة كاملة لهم حتى نهاية الرواية، لكنك بالتأكيد ستجد المتعة في التنقل بين الفقرات بروح ورؤية عجوز أحيانًا وأحيانًا أخرى بروح شاب..
هنالك أيضًا مشاهد تعتمد على الرمز مثل: "رجائي الشاب يتحول من رائد فضاء إلى طبق طائر، يشق سقف عربة المترو وسرعان ما يتبخر في سحابة من نور فضي، ومازالت العربة ومازال الموتى معلقين من رقابهم في الحلقات البلاستيكية المدلاة من السقف".
أما أنا فرأيتها راويًا ثقلت عليه خيالاته فحاول أن يحدث بها قدرًا من الضجة..
إذن ما هو تعريف الضجة؟
الضجة هي الصوت الذي يعتمد على مدى استيعاب أذن الإنسان لها. ولكن أليس تداخل الأفكار بالنسبة للعقل ضجة؟ أليس تداخل الصور بالنسبة للعين ضجة؟ أليس تعكر صفو الماء بالنسبة للماء ضجة؟؟
الضجة هنا نسبية وممتعة في هذه الرواية بقدر نسبيتها..
التجارب الحسية –الحقيقية منها والمتخيلة- بعضها كان مقحمًا في الرواية وبعضها كان ضروريًا لتوضيح الجانب النفسي للراوي متمثلاً في ذكورته الحبيسة والمهددة طوال الوقت والواضحة في ذكر تلك التجارب منتشيًا ومتباهيًا بلغة تناسب الحقيقي منها والمقتبس.. تلك الذكورة هي قطة سوداء تتخلل السرد من آن لآخر كما قال الكاتب: "القطة مثل نمر حبيس في قصيدة كتبها رجل أعمى أو يقترب من العمى مع كل كلمة، لا تكاد تستقر بموضع، حائرة تروح وحائرة تجيء، في المساحات المحدودة، بين الأقدام في زحام عربة السيدات بساعات الصباح الأولى."
كما تتخلل الرواية تعريفات مرقمة للروائي من وجهة نظر الرواي مثل:
-الروائي من يرى نفسه في الحلم يبني مدينة، ثم يستيقظ ليجد نفسه واحدًا من سكان مدينته.
-الروائي يعرف أن الحياة نفسها تقدم حلولاً سحرية، فلا يبخل بها على شخصياته.
-الروائي يرقد على البيض لشهور وسنوات، وحين تفقس البيضة الوحيدة لا يدري إن كانت ذهبًا أم فضة أم أن فيها –كما يرجو- كائنًا حيًا.
محمد عبد النبي روائي استطاع أن يخلق كائنًا حيًا.. أن يصنع متاهة.. أن يخترع لعبة.. وكأنه يقول بنبرة الواثق سمها ما شئت..
أنت فقط شد الخيط واترك الباقي علينا...

07 يناير 2012

الصادق الأمين

مات الراجل اللي كان وشه بيضحك وكتابته بتضحك وقلبه بيضحك.. مات الراجل اللي علمني أدخل في الموضوع علطول.. اللي علمني إن بساطة الحكاية هي جواز المرور.. وإن المجد دايمًا للتفاصيل.. مات اللي علمنا لغة جديدة وبصة جديدة ودنيا جديدة.. مات اللي كان بيكتب عن الأماكن الضيقة ويخلينا نشوفها واسعة.. مات الراجل اللي كتب عن الموت ببساطة ورحل بسبب نزلة برد.. مات عصفور النيل إبراهيم أصلان

03 يناير 2012

الحلقة الكريهة

أعتقد أنني قلت في البوست السابق بشكل غير مباشر أن الوقائع الصغيرة.. الصغيرة جدًا درجة الابتذال.. يمكن أن تكون ملهمة بشكل لا يصدق.. همنجواي عندما كانت تخاصمه الكتابة كان يقول لنفسه أنه بحاجة لأن يكتب جملة.. فقط جملة واحدة حقيقية وبعدها يبدأ من جديد. عرفت تلك المعلومة من "كتاب الغواية" لعزت القمحاوي.. هذا الكتاب أيضًا بصدق تجربته الذاتية وعذوبة لغته واقتباساته الأدبية المهمة يكاد يكون ملهمًا بشكل لا يصدق.

وبما أنني مقتنعة بذلك تمامًا.. وبما أنني قررت اليوم بالذات أن أكتب عن أكثر الأمور تفاهة في حياتي –ودعنا لا ننسى أن هذا من حقي طبعًا لأنني أكتب في مساحتي الخاصة-.. قررت وبعد تردد طويل أن أتحدث عن أهم عقدي القديمة: الخوف من الجمبري..

هذا الكائن اللزج ذو الرائحة النفاذة والشارب الطويـــل والعينين المخيفتين البارزتين من ذلك الجسد الصغير الرخو، هذا الكائن الذي يعشقه كل الساحليون وغير الساحليين –عداي طبعًا-.. هذا الحيوان الذي يصر كل من عرفته أنني مجنونة لأني لا آكله ولا أقدر قيمة وجوده في الدنيا.. فإذا سألوني عن السبب أرد باقتضاب: "عقدة منذ الطفولة".. فلا هم يسألونني عن العقدة ولا أنا أخبرهم..

مازلت أذكر سبات الجمبري الكبيرة التي كان يحضرها أبي المغرم بالصيد في مياه الخليج.. يفرشها على الطاولة ويجلسنا حوله أنا وأخي وأختي وماما –شئنا أم أبينا- لنصنع دائرة حول كمية رهيبة من الجمبري كي ننقضه.. نقشره ونزيل الخيط الأسود أعلى ظهره ثم نوزعه في أكياس بلاستيكية.. هذا للأكل وهذا للصيد وهذا لا يصلح. وأنا كجزء مسكين في تلك الدائرة أجلس متأففة أرتدي القفازات البلاستيكية وأربط ايشارب حول أنفي وداخلي يود لو يحطم الطاولة ويكسر الصنارات ويلقي بكل هذا الجمبري –أستغفر الله- إلى القمامة..

"هجيبلك صنارة وأعلمك الصيد".. لا أجيب

"هجيب لجوزك صنارة وأعلمه الصيد".. يبتسم ولا يجيب

"هجيب لمالك صنارة عشان لما يكبر أعلمه الصيد".. مالك يفتح فمه يريد الحليب وطبعًا لا يجيب..

"الصيد مفيد.. الصيد متعة.. الصيد يعلم الصبر.. بلا بلا بلا".. دع الصبر لأهل الصبر يا أبي..

بعد انتهاء الحفلة أتكفل بفتح كل النوافذ واشعال البخور في كل غرف المنزل ثم أجلس منزوية في إحداها أغني "والله يا زمن لا بإدينا زرعنا الشوك".. وأدعو الله أن تختفي كل أنواع الجمبري من الوجود..

وهكذا ظللت أجلس مرغمة في تلك الحلقة الكريهة حتى كبرت بحمد الله واستطعت أن أتخذ قراراتي بنفسي بل وأنفذها بحزم ولتشرب يا أبي مياه الخليج كلها إذا شئت.. –احم احم عذرًا لمتصنعي الماضي المثالي- فمن منا لم يملك تاريخًا متمردًا على أي حال!.

وبمناسبة الحديث عن التمرد فقد امتد ذلك الحزم لأمور أكثر أهمية في الحياة.. بعضها كان صائبًا.. ومعظمها لم يكن يستحق.. ربما سأحكي عنها فيما بعد.. وربما سأكتفي بالتوافه منها..

والسلام عليكم

مروا من هنا

online