يخلص دفترك فتنتهي حكايتك..
ولكن من قال أن كل الحكايات يمكن اجترارها اجترار الخيط من بكرته!
بعض الحكايات كالصور المشتتة، مثل تلك التي كان يرسمها "عبد الحليم" الإبن المتوحد للشيخ أحمد رجائي –أحد الرواة الافتراضيين للرواية- في أرضية الصالون.. "خرج أحمد من الغرفة يومها ومعه ملامح وجهه كلها، موزعة على عشرات صفحات الرسم"..
يقول الراوي الافتراضي: "ربما كان خطأ أحمد أنه رغب دائمًا وأبدًا أن يرى الكل المحيط الشامل. لكن الجيل التالي لحسن الحظ تجاوز هذا العيب الخطير، ولم يعد ينتبه إلا للتفاصيل الصغيرة، المنفصلة تمامًا عن كل ما يضمها ويحنو عليها".
ضمن هذه النظرية استهل "محمد عبد النبي" بأحد سطور "إيتالو كالفينو": فليس ثمة مكان أفضل لحفظ السر من رواية غير مكتملة.. واتكأ عليها لصنع شخصيتين يحملان نفس الاسم لكنهما مختلفتين تمامًا.. أحدهما عجوز يود اختصار حياته في دفترين اشتراهما من المتجر الصيني وجلس في البار على أمل أن يخط حكايته التي يحول دون اكتمالها شيئًا ما، أو ربما بعض حكايات ظله الوديع الذي يتحدث إليه من آن لآخر تحت تأثير الحشيش.. تلك الحكايات التي ينافسه في كتابتها الشخصية الثانية الشاب "أحمد رجائي" الذي ظهر في حياته ليكتب الحكاية بشكل آخر.. ربما ليمتلك زمام سرد الرواية وربما ليضع بيده نهاية الراوي الأصلي.. ولكن هل تحدد الروايات مصائر أبطالها أم كتابها.. أم الاثنين معًا؟؟
محمد عبد النبي روائي شاب يؤمن بسطوة الحكاية، صدرت له عدة مجموعات قصصية منها: "وردة للخونة" عن هيئة قصور الثقافة، "بعد أن يخرج الأمير للصيد" عن دار ميريت، ومجموعة قصصية بعنوان "شبح انطون تشيكوف" عن دار فكرة والحاصلة على المركز الأول في جائزة ساويرس فرع القصة القصيرة فئة الشباب لعام 2010.. وهذه هي روايته الأولى "رجوع الشيخ" الصادرة عن دار "روافد" للنشر..
قد يراها البعض النسخة الأكثر أصالة من "وراق الحب" لخليل صويلح الذي استخدم فيها هذا الشكل السردي الجديد لأول مرة، بينما قد يراها آخرون استعارة لأيدلوجيات "كونديرا" في السرد والتي تعتمد في أساسها على كسر سياق الأحداث والشخصية المركزية للرواية مما يجعل اقتباسها وتتبعها كوقائع متسلسلة يمكن روايتها متعذرًا على الكثيرين.. فنجد أن محمد عبد النبي اعتمد على خلق بناء سردي متوتر للرواية يناسب أصحاب الذائقة التي تميل إلى التجريب، تحت ظل قفزات سلسة ومحسوبة ما بين مقتبس وآخر، مبتعدًا كل البعد عن الافتعال الذي تتسم به معظم هذه الروايات التي تعتمد على فكرة الكتابة عن الكتابة.
هي رواية لا تعتمد على الحدث أو الحبكة وليس لها بطل واضح.. اللعب باللغة والتحولات السلسة بها جعلني أصفها باللغة النشيطة، والقفز بها بين أجزاء الرواية منحتها سلاسة وتلقائية.. فهي لا ترسم التفاصيل الدرامية للشخصيات بقدر اعتمادها على التفاصيل النفسية المعقدة منها والبسيطة.. ولكن ربما لا تستطيع أن تتعلق بأبطالها لأن الشخصيات هنا أقرب إلى أطياف وهمية مما يحول دون الإمساك بسيرة كاملة لهم حتى نهاية الرواية، لكنك بالتأكيد ستجد المتعة في التنقل بين الفقرات بروح ورؤية عجوز أحيانًا وأحيانًا أخرى بروح شاب..
هنالك أيضًا مشاهد تعتمد على الرمز مثل: "رجائي الشاب يتحول من رائد فضاء إلى طبق طائر، يشق سقف عربة المترو وسرعان ما يتبخر في سحابة من نور فضي، ومازالت العربة ومازال الموتى معلقين من رقابهم في الحلقات البلاستيكية المدلاة من السقف".
أما أنا فرأيتها راويًا ثقلت عليه خيالاته فحاول أن يحدث بها قدرًا من الضجة..
إذن ما هو تعريف الضجة؟
الضجة هي الصوت الذي يعتمد على مدى استيعاب أذن الإنسان لها. ولكن أليس تداخل الأفكار بالنسبة للعقل ضجة؟ أليس تداخل الصور بالنسبة للعين ضجة؟ أليس تعكر صفو الماء بالنسبة للماء ضجة؟؟
الضجة هنا نسبية وممتعة في هذه الرواية بقدر نسبيتها..
التجارب الحسية –الحقيقية منها والمتخيلة- بعضها كان مقحمًا في الرواية وبعضها كان ضروريًا لتوضيح الجانب النفسي للراوي متمثلاً في ذكورته الحبيسة والمهددة طوال الوقت والواضحة في ذكر تلك التجارب منتشيًا ومتباهيًا بلغة تناسب الحقيقي منها والمقتبس.. تلك الذكورة هي قطة سوداء تتخلل السرد من آن لآخر كما قال الكاتب: "القطة مثل نمر حبيس في قصيدة كتبها رجل أعمى أو يقترب من العمى مع كل كلمة، لا تكاد تستقر بموضع، حائرة تروح وحائرة تجيء، في المساحات المحدودة، بين الأقدام في زحام عربة السيدات بساعات الصباح الأولى."
كما تتخلل الرواية تعريفات مرقمة للروائي من وجهة نظر الرواي مثل:
-الروائي من يرى نفسه في الحلم يبني مدينة، ثم يستيقظ ليجد نفسه واحدًا من سكان مدينته.
-الروائي يعرف أن الحياة نفسها تقدم حلولاً سحرية، فلا يبخل بها على شخصياته.
-الروائي يرقد على البيض لشهور وسنوات، وحين تفقس البيضة الوحيدة لا يدري إن كانت ذهبًا أم فضة أم أن فيها –كما يرجو- كائنًا حيًا.
محمد عبد النبي روائي استطاع أن يخلق كائنًا حيًا.. أن يصنع متاهة.. أن يخترع لعبة.. وكأنه يقول بنبرة الواثق سمها ما شئت..
أنت فقط شد الخيط واترك الباقي علينا...


5 التعليقات:
طب أنا حاولت أبص ع الموضوع بصة كده
بس الكتابة عجبتني :)
ممممممممممم
وخدتها جود ريدز كمان
قريتيه إمتى ده ؟؟
منا قلتلك بقى :)
لما تقرا الرواية قولي رأيك في المقال
قشطة
عاجباني بشدة
أشكرك :)
الرواية حلوة جدًا، والمقال جميل ومحكم فعلاً يا إيناس
أحب أقول لك إن أكتر حاجة شدتني ف الرواية من مقالك إشارتك إلى (وراق الحب) قليلون هم من قدروا هذه الرواية
وكذلك إشارتك للتجريب، الذي أحب كثيرًا أن أرصده
لا سيما في كتابات (أولادنا) الشبان ...
ممممممممم
ربما أختلف معكِ قليلاً في إن الرواية لها أبطال فعلاً ولها قصة، ولكنه لجأ في بناء الأحداث والشخصيات على كسر الإيهام المتواصل الذي يصل إلى حد قد يجعل الثلاثة مرآة لنفس ساردة واحدة .
.
شكرًا لمحمد عبد النبي
وشكرًا لك طبعًا :)
شكرا يا ابراهيم على رأيك أسعدني جدا :)
بس مش عايزة احبطك وأقولك إن "وراق الحب" معجبتنيش خالص بصراحة وبعتبرها رواية مفتعلة كتبت من أجل الظهور والاختلاف لا أكثر ولا أقل.. وأنا النوع ده من الروايات مش بحبه ولا بقى يبهرني..
اختلاف الرأي لا يفسد للود أي حاجة :) وعموما مبسوطة إن "رجوع الشيخ" عجبتك وافتكرت مقالي :)
تحياتي
إرسال تعليق